ظاهرة جيل Z في الجزائر والدول العربية: مراجعة شاملة

 

ظاهرة جيل Z في الجزائر والدول العربية: مراجعة شاملة

التعريف الزمني بجيل Z:

يشير مصطلح جيل Z إلى الأفراد الذين وُلدوا بين منتصف التسعينيات وأوائل العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين. وقد حددت الدراسات (مثل مركز بيو) فترة ولادتهم تقريباً بين 1997 و2012، وهي فترة تميّزت بالانتشار الواسع للهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي التي صارت جزءاً أساسياً من الحياة اليومية. وُلِد هذا الجيل وسط بيئة رقمية متسارعة فغيّرت تماماً أنماط التعليم والعمل والتواصل الاجتماعي؛ ولذلك يُعتبر جيل Z أول جيل "رقمي أصلي" (Digital Native)، إذ لم يعرف عالم ما قبل الإنترنت.

الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية

نشأ جيل Z في الجزائر والدول العربية في ظروف اقتصادية واجتماعية وسياسية معقدة. إذ يشكل الشباب (15-29 عاماً) نسبة كبيرة من سكان المنطقة (تفوق 30% من إجمالي السكان)، إلا أن فرص العمل والتعليم المستقرة لا تكفي لاستيعابهم. فقد أظهرت دراسة حكومية جزائرية أن نحو ثلث الشباب (15-29 سنة) خارج الدراسة وسوق العمل، أي ما يعادل حوالي 3.5 مليون شخص. وتفيد الإحصاءات الرسمية بأن نسبة البطالة بين الشباب الجزائري (16-24 سنة) تقترب من 30%. وعلى المستوى العربي الأوسع، يؤكد تقرير لمنظمة العمل الدولية أن معدلات بطالة الشباب في 2023 بلغت نحو 28% في الدول العربية (كان 27% عام 2019). كما أن حوالي ثلث الشباب العرب لا يدرسون ولا يعملون، وفقاً للمؤشرات الدولية، مما يضع بلدان المنطقة ضمن أقاليم “خارج المسار” مقارنة بأهداف التنمية المستدامة العالمية.

سياسياً، عاش جيل Z طفولته ومراهقته في ظل أنظمة استبدادية وغالباً ما تواجهها أزمات واستقطابات داخلية. في الجزائر مثلاً نشأ هذا الجيل بعد الحرب الأهلية (العشرية السوداء)، فيما شهدت دول عربية أخرى حروباً أهلية أو احتلالات (كالعراق وسوريا)، مما أثر على فرص الاستقرار أمام الشباب. وقد برزت احتجاجات شعبية واعتصامات ذات طابع شبابي في العقد الماضي (أواخر 2010 ومع بدايات جيل Z الشباب) احتجاجاً على الفساد والبطالة وغياب الحريات السياسية، وهو ما عكس توترات اجتماعية قائمة. باختصار، فقد تشكل وعي جيل Z العربي على خلفية أزمة اقتصادية طويلة الأمد واحتقان سياسي، ممزوجة بإحساس واسع بالغبن الاجتماعي وفرص محدودة للمستقبل.

دور التكنولوجيا والهواتف الذكية في تشكيل الهوية:

يُعرَف جيل Z بأنه الجيل الرقمي الأصلي (Digital Native)؛ فقد وُلد بعد انتشار الهواتف الذكية وشبكات الاتصال، وقد غيّرت هذه الأجهزة الهائلة والهياكل الرقمية أنماط حياتهم وتواصلهم بشكل جذري. نتيجة لذلك، يتمتع أبناء جيل Z بإلمام استثنائي بالتكنولوجيا؛ فهم يستخدمون المنصات الرقمية كوسيلة تواصل رئيسية. فعلى سبيل المثال، أظهر استطلاع أن نحو 81% من أفراد جيل Z يفضلون منصتي «يوتيوب» و«إنستغرام» للتفاعل الاجتماعي، مما يوضح مدى هيمنة الفيديوهات والمحتوى الرقمي على اهتماماتهم. وقد أكسبتهم هذه البيئة الرقمية الوصول الفوري إلى كم هائل من المعرفة، بحيث يستطيعون اكتساب ما تعجز الأجيال السابقة عن جمعه إلا في عقود طويلة. كما انعكس ذلك على التعليم بالنسبة إليهم؛ إذ يبيّن مسح أن جزءاً كبيراً من الشباب يفضّل التدريب العملي والمهني على مواصلة الدراسة لسنوات طويلة. كل ذلك يدل على أن التكنولوجيا والإنترنت شكّلتا هويتهم ومفاهيمهم للعالم؛ فالجيل نشأ مع وجود رقمي دائم واستخدام كثيف للتطبيقات الذكية، وهي الحالة التي لم تعرفها أجيال سابقة.

تأثير الإعلام الرقمي والثقافة العالمية:

انفتاح جيل Z على الإعلام الرقمي والفضاء العالمي منحه تعرضاً لمختلف الثقافات والقيم عبر الحدود. فالشباب العربي من هذا الجيل يتواصلون عبر الإنترنت مع أصدقاء من جنسيات وثقافات متعددة، وأصبحت صداقاتهم وشبكاتهم العالمية أساس تفاعلهم الاجتماعي. كذلك تعرّضهم المستمر للموسيقى والأفلام والفنون العالمية عبر الإنترنت أوصلهم إلى قيم عالمية جديدة (كالمساواة وحقوق الأقليات والتنوع الثقافي) بدرجة تفوق الأجيال السابقة. ويضاف إلى ذلك أن الإعلام الرقمي العالمي نقل إلى شباب جيل Z اهتمامات وقضايا دولية (مثل التغير المناخي والأزمات الاقتصادية والموضات الثقافية) بسرعة هائلة، مما وسع آفاقهم وجعلهم جزءاً من تيار عالمي من الأفكار. وقد انعكس هذا في قيمهم؛ فهم أصبحوا أكثر تعلقاً بقضايا بيئية واجتماعية عالمية، ويطالبون بالعدالة والشفافية والمساءلة في كل مكان. باختصار، لم يمحُ جيل Z الهوية العربية لديه، لكنه أكسبه الأدوات لاحتضان ثقافة عالمية مفتوحة وتشكيل ميول وسلوك وفق تيارات العصر الرقمي.

الخصائص البارزة لجيل Z مقارنة بالأجيال السابقة:

يتمتع جيل Z بسمات خاصة تميّزه عن أجيال آبائه. من أبرز هذه السمات:

اندماج رقمي كامل: وُلد أبناء هذا الجيل مع الإنترنت والأجهزة الذكية، فأصبحوا هم أول جيل نشأ بشبكة عالمية متاحة بالكامل. وهذا يجعلهم متمرسين في التكنولوجيا ووسائل التواصل أكثر من أي جيل مضى.

قيم وطموحات إصلاحية: تتميز قيم جيل Z بنزعته المثالية ورغبته في إحداث تغيير إيجابي. فهم يربطون بين خياراتهم اليومية ورؤيتهم لحل تحديات العصر (مثل أزمة المناخ وعدم المساواة)، ويطالبون بالشفافية والمساءلة في المؤسسات. مقارنةً بالأجيال السابقة، صار الشباب يؤمنون بأنهم جزء فاعل من المجتمع ويجب أن يساهموا بنشاط في إصلاحه.

مرونة في التعليم والعمل: على عكس الأجيال القديمة التي أولت أهمية للشهادات الأكاديمية الطويلة، يفضّل كثير من شباب جيل Z التدريب المهني المختصر على الالتزام بسنوات الدراسة الطويلة. إذ اكتسبوا أدوات تعلم رقمية (فيديوهات تعليمية، منصات إلكترونية) تتيح لهم اكتساب مهارات جديدة بسرعة. وهذا ينعكس على سوق العمل، حيث باتوا مهتمين بالمهارات العملية وفرص ريادة الأعمال الرقمية.

شبكات اجتماعية عالمية: يميل جيل Z إلى بناء صداقات افتراضية مع شباب من جنسيات وثقافات مختلفة. هذه الشبكات المتنوعة تزيد من انفتاحهم الثقافي وتساهم في تبادل الأفكار. بالتالي، فإن طريقة تفاعلهم الاجتماعي تختلف عن الأجيال السابقة، إذ يصدر معظم علاقاتهم من العالم الرقمي وليس من محيطهم الجغرافي المحلي.

انخراط سياسي واجتماعي نشط: أصبح هذا الجيل أكثر انخراطاً في النقاشات العامة والسياسات الاجتماعية من سابقيه. بفضل اطلاعهم التكنولوجي وقدرتهم على نشر الآراء عبر الإنترنت، صار لهم حضور فاعل في الحراك المدني. فهم يركزون على قضايا مهمة مثل حقوق الشباب والعدالة الاجتماعية ويستخدمون السوشيال ميديا لإيصال صوتهم مباشرة، وهو ما دفع الحكومات والشركات للاعتراف بهم كمجموعة مؤثرة تستحق الاهتمام.

تصنيف سماتهم كـ"ظاهرة" في الخطاب الأكاديمي والإعلامي:

برزت سمات جيل Z في الخطاب الإعلامي والأكاديمي باعتبارها ظاهرة اجتماعية جديدة. فقد نشرت وسائل الإعلام العربية مقالات تحلل احتجاجات الشباب تحت عنوان "ظاهرة جيل Z"، مشيرة إلى تفردها الرقمي ومطالبها الاجتماعية. على سبيل المثال، وصفت تقارير صحفية تطلّبَ الشباب شفافية سياسية بأنه “تعبير عن ظاهرة لم يُعتد عليها سابقاً”. ووصف مغاربة التظاهرات الشبابية بأنها «ردة فعل كلاسيكية على ظاهرة غير تقليدية»، في إشارة إلى أن سلوك هذا الجيل مختلف عن المألوف. على مستوى البحث الأكاديمي، بدأ الباحثون يعكفون على دراسته من زوايا مثل التواصل الإلكتروني وتأثيره على قيم الشباب. في المجمل، يُنظر إلى جيل Z اليوم كجيل رقمي عالمي وجيل قادم لتشكيل المستقبل؛ ولهذا عُرف بأنه “ظاهرة” تستحق الدراسة المستمرة في الإعلام والرأي العام.

تعليقات

المشاركات الشائعة