غزة والأحداث الكبرى...
غزة 2023–2025 – الأحداث الكبرى وردود الفعل العربية وتحليل «سُنّة الاستبدال»
1. الأحداث الكبرى في غزة (2023–2025)
شهدت غزة منذ خريف 2023 موجة من العنف والاستهداف العسكري الهائل. في 7 أكتوبر 2023 شنت حركة حماس هجوماً مفاجئاً على إسرائيل («عملية طوفان الأقصى»)، تبعه شن جيش الاحتلال حملة عسكرية كبرى وغارات جوية مكثفة على القطاع. ارتفعت حصيلة القتلى الفلسطينيين بسرعة شديدة؛ فخلال الأيام الأولى فقط قُتل المئات منهم. مثلاً أُبلغ أن نحو 687 فلسطينياً (منهم 140 طفلاً و105 نساء) قُتلوا على الأقل في الأيام الأولى لردّ إسرائيل على الهجوم. أدى القصف والاشتباكات إلى دمار هائل للبنية التحتية وخروج الملايين عن منازلهم ونشوء أزمة إنسانية حادة.
على أثر الضغوط الدولية، توقفت المواجهات مؤقتاً في نوفمبر 2023 بعد تفاهم لتبادل رهائن، حيث أُطلق سراح العشرات مقابل وقف إطلاق نار قصير (حوالي 4–6 أيام). لكن الحصار الإسرائيلي الشامل على غزة استمر، وفرض دخول مساعدات مشروطاً. في مايو 2024 بدأت إسرائيل هجوماً برياً واسعاً على مدينة رفح جنوب القطاع، سيطرت خلاله على الجانب الفلسطيني من معبر رفح. جاء ذلك بعد رفض تل أبيب مقترح وقف النار الذي قبلته حماس. وقد لجأ أكثر من 1.5 مليون نازح إلى رفح هرباً من القصف، وحذّر المجتمع الدولي من تفاقم الكارثة الإنسانية هناك.
في مارس 2025 تصاعد القتال مجدداً بعد أن رُفع جزء من الهدنة. ففي 18 مارس شنّت إسرائيل غارات عنيفة على غزة استأنفت خلالها القتال، حيث قُتل مئات الفلسطينيين في الساعات الأولى (أكثر من 300 قتيل خلال 3 ساعات أولى) واندلع قتال عنيف حول مخيمات النازحين. وكثفت إسرائيل بعدها الغارات البرية، مما فاقم من معاناة المدنيين. في أبريل 2025 استهدف القصف الإسرائيلي حتى قافلات الإغاثة؛ ففي 1 أبريل قُتل 7 عمال إغاثة من منظمة «المطبخ المركزي العالمي» في غارة على قافلتهم شرقي غزة. هذه الحوادث عززت الدعوات الدولية لوقف فوري لإطلاق النار. على الصعيد السياسي، سعت وساطات متعددة (مصرية وقطرية وأممية) لإبرام اتفاقات هدنة أو تبادل أسرى ومساعدات إنسانية، لكنها تحطمت غالباً على رفض إسرائيلي بإخلاء غزة من قواته دون شروط محددة.
باختصار، مرت غزة بسلسلة من «الحروب والإغارات الكبرى» ذات أثر مدمر: بدءاً من حرب أكتوبر 2023 وموجات القصف والضربات الإسرائيلية المتلاحقة مروراً بغزوات ريفية (رفح 2024) واستئناف العمليات في 2025، إضافةً إلى حصار وعرقلة مساعدات غذائية وطبية. هذه الأحداث خلفت دماراً واسعاً في القطاع وما يربو على عشرات آلاف القتلى والجرحى وسقوط بنى تحتية، مما أثار انتقادات واسعة لخطورة هذه السياسات الإنسانية والسياسية.
2. ردود الفعل الرسمية العربية
على وقع المجازر المتكررة، صدرت عن الحكومات العربية بيانات ونداءات لوقف النار وسريان المساعدات، لكنها بقت محصورة بالخطابات الشكلية نسبياً. مثلاً، أصدر اجتماع لوزراء الخارجية العرب في 9 نوفمبر 2023 بياناً مشتركاً دان «العدوان الإسرائيلي» على غزة ودعا إلى وقف فوري للقتال، وإيصال المساعدات والوقود إلى القطاع والضفة، مع رفض أي ترتيبات لا تشمل السلطة الفلسطينية. وعبّر العاهل السعودي عن «وقوف بلاده إلى جانب الفلسطينيين لتحقيق حقوقهم المشروعة» وسعى لمنع «اتساع نطاق النزاع» من خلال اتصالات دولية مع مصر والأردن. كما تبوّأ بعض قادة العرب مواقع وساطة: فقد شاركت الإمارات مثلاً في الاجتماعات الدولية (كاجتماع بريكس نوفمبر 2023) ودعت لحماية المدنيين وصولاً إلى دعمها لعبور مساعدات إنسانية عبر الأمم المتحدة.
مع ذلك، يرى مراقبون أن هذه المواقف بقيت «أدبيات» أكثر من كونها إجراءات حاسمة. ففي العادة لم تُشكِّل أي من الدول العربية قوّة ردع فعلية ضد إسرائيل (ولم تفتح بواباً عسكرياً أو توقّع عقوبات). بل وُصفت المقاومة الفلسطينية لدى بعض الأنظمة بأنها «خصم سياسي» في ضوء الاتفاقيات الأمنية مع تل أبيب، ما حوّلها إلى وسيلة ضغط لقمع أي حراك شعبي معادي لإسرائيل. وقد تمت ملاحقة أي تعبير رسمي عن التضامن أيضاً، إذ اعتُبرت شعارات المطالبة بنصرة غزة في العديد من البلدان خروقات أمنية أو أعمال تحريض. باختصار، رغم بيانات الإدانة واللقاءات الوزارية، فإن التحوّل الأساسي في السياسات العربية بقي محدوداً: حافظت البلدان المطبّعة على علاقاتها مع إسرائيل، واكتفت الدول الأخرى بدعوات للهدنة أو إعادة إطلاق المفاوضات، دون خطوات عملية كإيقاف التطبيع أو فرض عقوبات.
3. ردود الفعل الشعبية
على النقيض من التحفظ الرسمي، عبّر «الشارع العربي» عن غضب شديد واستنكار واسع لجرائم غزة. اندلعت مظاهرات ضخمة ومواقف تضامنية في أرجاء المنطقة: ففي مصر خرج عشرات الآلاف إلى الشوارع (مثل انتفاضة 20 أكتوبر على حدود رفح واحتجاجات ميدان التحرير) رغم إجراءات الأمن واعتقال بعض المشاركين. وفي الأردن نظّم آلاف مظاهرة في عمّان وأربد دعماً لغزة، وردّت الشرطة بإطلاق قنابل الغاز والاعتقالات على من حاول التوجه إلى الحدود لإرسال مساعدات. كذلك هتف متظاهرون في لبنان وسوريا واليمن وتونس وسواها شعارات فلسطينية ورموا الأعلام الإسرائيلية، وأحرق الكثيرون صور نتنياهو وزعماء آخرين دعماً للمقاومة. حتى في دول الخليج خرجت وقفات محدودة أو ظهرت بيانات رفض غير رسمية بين الشباب، رغم القيود.
لكن هذه الطفرات الشعبية قوبلت غالباً بكبت. فقد ذكرت تقارير أن الحكومات العربية أغلبها جرّمت دعوات التضامن، وألقت القبض على بعض النشطاء المعتصمين. وفي كثير من العواصم –حتى حيث جرت احتجاجات- كانت مدّ البثّ والإعلام الرسمي خافتاً تجاه المظاهرات، مقارنةً بتغطية ملاحم غزة. بمعنى آخر، تضامنت الجماهير العربية مع غزة بقوة، كما عبّر عن ذلك عدد من المثقفين والناشطين، لكنّ ضعف «السياسة العربية الرسمية» وقيود الأمن في الدول حوّلا هذا التضامن الشعبي إلى عزف منفردٍ لا يتوازى مع الموقف الحكومي.
4. التحليل الديني والاجتماعي لمسألة «الاستبدال»
تأتي المواقف العربية تلك في ظل نقاش يربط بينها وبين مفهوم «سُنّة الاستبدال بالغير» الذي ورد في القرآن الكريم. فورد في سورة محمد: {وَإِن تَتَوَلَّوْا يُسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ}. يُفهم من ذلك أن المجتمعات قد «يُستبدَل بها» شعب آخر إذا تخلفت عن واجباتها. يرى البعض أن في التجاهل الرسمي لقضية غزة اليوم إشارة إلى هذا الوعد القرآني: أي أن المسؤولية عن نصرة الفلسطينيين قد بدأت تُلقى على «آخرين»، سواء كانوا قوى إقليمية أخرى أو ضغوط دولية جديدة.
على المستوى السياسي، تلعب دولٌ غير عربية دوراً لافتاً في تعبئة التضامن. على سبيل المثال، أدانت تركيا المجازر في غزة وتوعّدت بالتحرّك الدبلوماسي العاجل، بل واتصلت بالقادة العرب لتشكيل «كتلة قوية» تضغط على إسرائيل. وهذه خطوة غير معهودة في السابق على هذا النطاق. كذلك تحرّكت إيران وإيران، وحركة أهلية عالمية تضامنياً بما رفع الموضوع إلى سابق اهتمام إقليمي ودولي غير عربي. بالتوازي، شهد العالم الغربي –خصوصاً أوروبا– تحوّلاً في لهجته نحو إسرائيل (مطالبات بعقوبات أو تعليق تعاون أمني)، في حين كانت المواقف العربية هادئة نسبياً. اجتماعياً، تبدو ولاءات العوام آخذة في دعم الفلسطينيين دون تحفظ، في مقابل انكفاء قادة محليين.
إذا نظرنا مجتمعيّاً، فإن ما حدث قد يعكس تبدّلاً في قيادة التأييد والتضامن. فالزعماء العرب التقليديون –الذين طالما عُدّوا «أوصياء» على القضية الفلسطينية– في الممارسة سحبوا أيديهم منها من خلال التطبيع أو الصمت، ما أتاح لمسؤولين أو جماعات أخرى (لم تكن حاضرة سابقاً بالقدر نفسه) أن ترفع الشعارات. وفي هذا الإطار يُنظر إلى الصمت العربي كجزء من «خسارة كبرى في الموقف السياسي» أدّت إلى استشراء الإحباط بين جماهير المسلمين.
ختاماً، يخلص التحليل إلى أن مواقف الحكومات العربية المتخاذلة، رغم تنديدها الإعلامي، قد تُفسَّر بوصفها من علامات تحوّل الموازين السياسية. فوفق «سُنّة التغيير» في القرآن، فإن فشل العرب في الدفاع عن غزة قد يُفسح المجال لآخرين لقيادة «نصرة فلسطين» – وهو ما بدأ بعض المراقبين يرونه مشهداً واقعياً مع بروز تحركات تركيا ودعوات غربية جديدة. وبالتالي، فإن سنوات 2023–2025 يمكن النظر إليها بوصفها فترة انتقلت فيها «زعامات» التقارب أو التجميد مع إسرائيل إلى زعامات جديدة للدفاع عن الحقوق الفلسطينية. وهذا يستدعي قراءة الأحداث بمنطق واقعية الجغرافيا السياسية الجديدة في العالم الإسلامي، لا بمنطق «الصمت المرة» وحده.
5. خلاصة وتوصيات
الخلاصة: غزة شهدت منذ أكتوبر 2023 موجة عنف غير مسبوقة، وأدت الحروب والإغارات الإسرائيلية الكبرى إلى نتائج إنسانية كارثية (مئات الآلاف نازحين وعشرات آلاف القتلى والجرحى). وتبيّن أن المواقف العربية الرسمية، وإن اعترضت على العدوان بالبيانات واجتمع وزراؤها لنقاش وقف النار، فإنها بقيت محدودة جداً عملياً (لم يُحدث أي دور عسكري أو عقوبات أو إنهاء للاتفاقات مع إسرائيل). على العكس، أجج الضغط الأميركي والإسرائيلي خلافات داخل السياسات العربية: إذ صُنفت المقاومة الفلسطينية أحياناً كعدو سياسي، وتم تقييد الفعل الشعبي التضامني. بالموازاة، حاولت قوى خارج المحور العربي أن تأخذ زمام المبادرة، وهو ما عقد التوازنات.
التوصيات: للتصدي لهذه «سُنّة الاستبدال» المفترضة وضمان ألا تنحصر مسألة فلسطين بقيادة غير عربية، يُنصح بأن تتخذ الدول العربية إجراءات أكثر فاعلية: مثلاً (1) فتح معابر حدودية إنسانية (خاصة معبر رفح و/أو تسهيل نقل المساعدات والأطباء وإعادة الإعمار) بشكل مستقل عن ضغوط إسرائيل؛ (2) وقف جميع اتفاقات التطبيع السياسية والأمنية مع إسرائيل والتراجع عن معاهدات قد تضر بموقفها في هذا الصراع؛ (3) استخدام المقومات الاقتصادية (كالنفط والإعانات) كأوراق ضغط على إسرائيل والداعمين لها، إلى جانب ممارسة ضغوط دبلوماسية تصعيدية عند المنظمات الدولية؛ (4) تنظيم قمم عربية طارئة لإظهار وحدة الموقف، وصياغة خطة عملية للاستجابة لإنقاذ غزة (تجميع المساعدات وتنسيق توزيعها تحت إشراف وزارتي صحة وشؤون اجتماع مثلاً)؛ (5) الحرص على ضبط الخطاب الديني الرسمي (تفادي المزايدات السياسية) بحيث يعبّر بصدق عما يطالب به الشارع بوضوح، واستثمار المؤسسات الدينية في تعبئة التضامن. بهذه الخطوات، يمكن للعرب إعادة بوصلة القيادة المفقودة وإنقاذ القضية من خطر «استبدال» استراتيجي، وفي الوقت نفسه تجنب المأزق الأخلاقي المنبثق من الصمت أو الصراعات الضيقة.
تعليقات
إرسال تعليق